في قرية صغيرة على ضفاف النيل تدعى «منفلوط»، وُلد شابٌّ من أسرة علم وورع تُكنى بـ«المنفلوطي». نشأ مصطفى لطفي كجذع شجرة راسخة في الأرض؛ عاش طفولته بين أوراق المصحف وطلّة الأزهر، وبين أروقة العلم.
حين بلغ سنّ الشباب، انتقل إلى القاهرة، حيث رأى أنّ الكلمة تحتاج إلى حرّية أكبر، فكتب مقالات، وظهرت جريدة «المؤيدة» التي نشرت مقالاً له بعنوان «النظرات» بدأ بها رحلته الإعلامية والفكرية.
وفي زمنٍ بات فيه الجور يرتدي تاجاً، كتب قصيدة حار قة في العدل، يقول مطلعها:
> «ألا رايةٌ للعدلِ في مصرَ تَخفقْ… لعلّ مساعيَ دولةِ الظلمِ تخفقْ»
حين نُشرتها، اهتزّت الأقلام والقاعات، وبات اسمه يُذكَر بين الصفحات المتمرّدَة، لكن ذلك دفعه إلى تجربة السجن ستة أشهر، بسبب قصيدة قالها تعريضاً بالخديوي عباس حلمي.
بعد خروجه، وجد قلبه يموجُ بعضوية البرلمان، وعمله في وزارة المعارف والحقانية، ولكن اشتهر بين الناس بحروفه ومقالاته أكثر من المناصب. وبعد عمرٍ لم يكن طويلًا، غادر الحياة في عام 1924، تاركًا إرثًا من الكلمة الصادقة.
في تلك الليلة، جلس الشابّ المنفلوطي في غرفته، يرى القمر من نافذة صغيرة، ويهمس بنفسه: «هكذا تكون الحرّية: حين يُمسك قلمك فتوقعه لا خوفاً، بل عشقاً». ثم كتب أبياتاً قصيرة عبّرت عمّا في نفسه…
—
مقطَعٌ من شعر المنفلوطي
> «جَرَى الدَّمْعُ حتى ليسَ في الجفْنِ مَدْمَعٌ … وما أنا منيبكي، ولكنَّهُ الهَوى يريدُ»
«قدومٌ ولكن لا أقولُ سعيدَ على فاجرٍ هَجَوا الملوكَ يُريدُ… لم يكن للقِمَمِ دوامٌ، والزلزلُ في الدُجى يُغنِّي»